هاشم معروف الحسني

136

سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )

نزعة التعصب للحق والتصلب فيه وصدق اللهجة بعد اسلامه ولمسها منه القريب والبعيد وقال فيه النبي ( ص ) كلمته المشهورة . « ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر » ، وبقي أبو ذر مدة بين أهله وعشيرته موحدا مؤمنا بإله واحد يعبده بفطرته السليمة حسبما توحيه إليه من التقديس والتعظيم ، حتى مر عليه رجل من قومه كانت قد بلغته أخبار دعوة النبي ( ص ) في مكة ، وقال له يا أبا ذر : ان رجلا بمكة يقول بمقالتك يزعم أنه نبي ويدعو الناس إلى عبادة اللّه ، فانتعش أبو ذر وأشرقت نفسه ، ولم يعد له ما يشغله عن استطلاع خبر هذا الرجل ، ومعرفة ما يدعو إليه ، فلم يلبث ان أرسل أخاه أنيسا إلى مكة وأوصاه بأن يستعجل له الأمور ويرجع إليه بما يطمأن إليه من أخباره ، ونفذ اخوه المهمة ، وسمع من اخبار محمد ودعوته من القريب والبعيد . ورجع إلى أخيه ليخبره بما سمع ورأى ، وقال له : لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر والبغي والمنكر والعدوان ، ويدعو إلى إله واحد لا شريك له ولا نظير ، ويسخر من الأصنام وعبادتها ، فكان لهذه الكلمات أطيب الأثر في نفس أبي ذر واتفقت مع ما يختلج في ضميره ويهز مشاعره في حال تأملاته وتفكيره ، وصمم ان يذهب بنفسه إلى مكة ليقف على خبر هذا الرجل الذي أصبح حديث الناس ، فسار ترافقه أمه واخوه يجد السير إلى نجد لزيارة أخواله ومنها إلى مكة المكرمة حيث محمد يدعو إلى اللّه . ولما بلغها انزل أمه وأخاه خارجها ودخل مكة وحده وطاف في شوارعها وتصفح وجوه الناس ليعرف من هو محمد ، وظل يراقب الناس ويسمع من أحاديثهم إلى أن توارت الشمس ودب الظلام ، وخلت الكعبة من الوافدين ، وفيما هو في حيرة من امره وإذا بشاب قد أقبل ليطوف في البيت فمر به وقال من الرجل ؟ فقال من بني غفار ، فقال قم إلى منزلك ، فقام معه وانطلق به إلى منزله ولم يسأل أحدهما صاحبه شيئا ، وفي الصباح خرج أبو ذر يطلب حاجته ، وظل طوال يومه يترقب اخبار الرجل الذي جاء من اجله ، فلم يستفد شيئا